> Frontpage / نقد / ذبابة ورنات.. مقاربة...



مجلة شهريار متوقفة عن الصدور حتى إشعار آخر لأسباب تقنية



ذبابة ورنات.. مقاربة في قصة "رنات " للقاص المغربي ادريس خالي

جمال عبد الناصر الفزازي

 

 تكاد قصة"رنات  "*..للقاص المبدع ادريس خالي تشبه  ذبابة سقراط  .. تطن في أذن

السلطة مستحثة أفراسها  المترهلة  إلى  الحركة و النفور ، و محفزة  خيول السرد المغربي من اجل حداء مختلف واكتشاف دهشة أخرى .وبما إن للسلطة جاذبية وتفاعلا بين القوى فإنها  توجد في كل قيمة  وعلاقة ، قد تفاجئنا في فضاءات لم نكن نتوقعها ..يتعلق الأمر هنا بجمعية مهنية ..جمعية  تحيا بالرنات  . معلوم ان  الرنات لفظ  دال –جمع-  يشير الى  أصوات معدنية كالنقود  أو آلات  موسيقية او جسدية باليد أو الأوتار الصوتية: تتعدد وظائفها وبلاغاتها  بحسب تعدد الثقافات والعصور والمقامات التواصلية .. إنها إذن  قصة برنات  ونبضات.  بني إيقاعها على إحالتين : -نصية داخلية  وإحالة خارجية تفتح الملفوظ على إشهار بالفيديو للرنات برابط تفاعلي . وقد جعلت النص الأدبي  مختلفا ، بتجريب حكي مغاير، وفي الآن نفسه ،تقترح مشروع حكي، سمته الجمالية تتمثل في الاشتغال على اللغة ،كحقل لاستنبات الخيال الخصب  والفكر الجريء والحس العميق والموقف النبيل. 

 

 -أولا :المتن القصصي :

يجتمع أعضاء جمعية ذوو مرجعية دينية ، بمناسبة تجديد مكتبها الإداري التنظيمي وفق القانون الجاري به العمل . وبعد القراءة المفترضة للتقريرين الأدبي والمالي تتم الصادقة عليهما .وفي أثناء تقديم الاجتماع  وخلاله تتردد رنات هواتف توجه الجمع نحو المصادقة على التقريرين والمكتب الجديد  دون مناقشة  ،وذلك لمدة خمس ساعات  .أما السارد  فشخصية ترصد  نسق رابطين اولاهما  بين داخل الاجتماع وخارجه ..  و ثانيهما بين النص الملفوظ وخارجه ممثلا في أغنية ريما خشيش على موقع يوتوب .

 

-ثانيا :المبنى القصصي :

حيثما يوجد نص قصصي توجد سلطة،  لان اللغة فضاؤها الحيوي.. ..سواء كانت اصواتا وهمهمات وكلمات وجملا،او كانت علامات إشارية حركية وتصويرية. فكلها محكومة بإكراهات أنظمة تركيبية وبلاغية وثقافية . قد تخذ شكلا  أسطوريا أو وهما ايديولوجيا. ووظيفة الفن -القصة تتجسد في  خلخلة سلطة هاته الأنساق وخرق للموروث .وخلخلة النوع الإبداعي .رنات من القصص  التي تسائل ثقافة السلطة بأدواتها  الجمالية والمعرفية  باستثمار أنظمة الشخصيات والأحداث و وبلاغات السرد والوصف والفضاء ..الخ ..ومن اهم مؤشراتها الدالة :

 

 -1/الشخصيات  :

 ا-السارد-الشخصية  : ينطلق من زاوية نظر من خلف ، باعتباره مدركا لقواعد اللعبة الانتخابية  ،مطلعا على الشخصيات ومجالها وما يحركها ..يتخذ موقعا كاشفا عن تناقضات عالم الاجتماع الانتخابي  لكنه لا يتدخل بالقول أو الفعل ..بل يتخذ مسافة شاهد من الخارج. يظهر ذلك في كتم رنات  هاتفه التي سيشغلها، حين ينفرد بذاته ،ويستمع إليها مئات المرات  ،انتقاما من وضعه المأساوي في الجمعية ،لإعادة الاعتبار إلى وجوده المغتصب . بل إن انتشاءه لم يشأ أن يكون فعلا لازما، بل تعداه  إلى مسرود له مفترض ، بواسطة رابط  الرنات ،  يقود الى موقع يوتوب مرغبا في الاستمتاع بها  . ولاشك أن كبت الاستماع الى الرنات يحيل على بنية قمعية من جهة، وايمان بالاختيار الديمقراطي بوعي مهزوم، ورغبة في التنفيس عن مكبوت جنسي ومقموع سياسي-اجتماعي .

 

-ب- مسير اللقاء:

أطر الاجتماع قانونيا وتنظيميا ،لكنه في النص دبر مراحل انتخاب المكتب دون مناقشة التقريرين ،وهو بذلك ينفذ الأوامر التي يمليها هاتف السلطة بثبات وامتثال . يتوهم نفسه مايسترو سمفونية ،  ولا يدرك انه مجرد وسيط و رنة نشاز  في جوقة تكرر نفس النغمة ونفس اللغة ،(واللغة بحكم طبيعتها العرفية والقانونية والمؤسساتية ، و بحكم سلطتها وقوة كلماتها ، تكون ملزمة للانا والاخر)-1- انه وسيط كالهاتف ..او قناع  الحاكم وظله ..

 

- ج- الحاضرون :

 أربعون عضوا في الجمعية " أربعون صوتا ولحية مشذبة" لكنها أصوات لا قيمة لها ما دامت سلبية هادئة وخافتة تخضع لرقابة السلطة  

 ، أدمغتهم معبأة بالرسميات، كالاستماع إلى رنات  النشيد الملكي، أو الاستماع إلى رنات  الأذان في غير وقته "في العاشرة والنصف صباحا"..أو الالتزام ببرطكولات اللباس "سروال الثوب المكوي بشكل جيد"  والهواتف الأكثر معاصرة "لنوكيا 300 تاكتيل" في مقابل  السارد الذي يرتدي "سروالي الدجين الأزرق" وله هاتف "النوكيا دو كارط  made in  china ".نستنتج ان وظيفة الحاضرين تتجسد في مباركة ارادة مسير الجلسة في داخل القاعة والامتثال  والطاعة العمياء  "حاضر،سأفعل ،حاضر.على السعة و  الرحب ." لتأكيد الرقابة  . إذ ( لا تفتأ الرقابة تعمل على تحنيط الفكر و تخشيب اللغة وجعلها رتيبة تجترّ المكرور وتكرّس التقليد،  )-2- بترسيخ الاستيلاب الفكري والروحي وبالتالي محو الجسد والذات  . يتجلى هذا الاستلاب في الايمان  بالمظاهر  كالانجاز  الصوري للانتخاب و تمسيد اللحية  ..وقد صوره السارد  من خلال رؤية ساخرة  عبر  نموذجين: - الأول صاحب الصلعة الذي يطرد الذبابة وهو مشهد يوحي بوضاعة المشهد الانتخابي وعنف السلطة.- والثاني في تكبير صورة المنتخب  الذي يعب ماء عين سلطان "بينما يدخل رأس سبابته في فتحتي انفه "وهذا الجمع بين متقابلي  طهر الماء ونجاسة الأنف، يوحي بتناقض الشخصية ذاتيا واجتماعيا ولم لا ازدواجية الشخصية  بالمعنى السياسي.

 

-د-الهاتف :

 محمول جوال دون قيد او شرط ، وسيط بين الداخل والخارج وقوة فاعلة

سحرية  تفتح المكان المغلق :القاعة وتنتهك حرمة الاجتماع وشرعيته القانونية وتطوع المجتمعين ، فهي كالسوط للقطيع والجرس للعبيد . و يساهم ، ايضا ،في سلب الشخصية إرادتها في الفعل وحرية الفكر والاختيار..وبالمقابل هو عامل مساعد للسارد-الشخصية في التنفيس عن ذاتها المغتربة جماليا ووجوديا لتحقيق التوازن الذاتي في عالم مختل.

 

-ه- الذبابة :

" تطن ذبابة طائشة فوق رأس الجالس بقربي فيطردها بكفه،تطير الذبابة هاربة بجلدها " وهذا المقطع يوحي بفضاء السلطة باعتبارها علاقة عنف وإقصاء وفي المقابل تذكيرها بصوت مختلف نشاز يكسر صمت القاعة ويحدث أثرا ما غير مرغوب فيه .

 

-و-  ريما خشيش  :

يبدو ايقون صورة المغنية موحيا بأنوثة  ميادة بملامح مياسة ونداء جنسي عميق  ،بأشكالها وألوانها  المتمايزة  لتحقيق  الجاذبية الفاتنة  . صادحة بصوت  مترنم جميل اغنية (لأني اغني)- والتي أدتها  فيروز وأميمة الخليل أيضا- من الحان  شربل روحاناوكلمات نزار الهندي : 
  (لأن الغناء غنائي أغني
 فحين صرخت أحبك ....كنت أغني ،،، وحين همست أحبك كنت اغني
 وحين خلقنا ،، وحين عشقنا ،، وحين احترقنــــــــــا ،، وحين افترقنا ،،

وحين استرقنا رداء الطفولة ،،،،

 كنت اغني ... كنت أغني ،،، لأنك لحن غنائي أغني)

" -3-  تعرض المغنية جسدها شكلا وصوتا وحركة لتكون بذلك المناقض لشخصيات الجمعية المهنية التي جردت من  وجوهها ، لإبراز التناقض بين إرادة  الموت و الرغبة في الحياة ..بين الانغلاق والانفتاح ....ومن يذكر هذا اللون الغنائي ينفتح على  ثقافة فنية موسيقية  و قيم إنسانية وجمالية عالية  مغايرة ،  تنزاح عن الرسمي وإيقاعات  المخزن كما تؤشر على الاحتماء بثقافة فنية شرقية  كنقد ضمني لما بلغته الأغنية من المغربية من ضحالة.  ان تلبس السارد –الشخصية برابط ريما خشيش هو  موقف نقدي  تحرري من العالم الفاسد الذي لبس اللحية ليغتال العقل والخيال والإحساس ويجهز على حقوق الإنسان و الإنسان . ويمكن اقتراح النموذج العاملي التالي :

- العامل المرسل :الدولة –السلطة – المؤسسة – المهنة

-العامل الذات : المنتخبون

-العامل الموضوع : تجديد انتخاب المكتب

-العامل المعيق: الذبابة –رنات  أغنية خشيش- سروال الدجينز

-العامل المساعد : رنات  سياسية ودينية – لحية – لباس مكوي - الهدوء والصمت- القاعة – الطاعة – الخوف – الطمع-إحناء الرأس-مسير الجلسة -الهاتف..

-العامل المرسل اليه: المال- المنصب – السلطة

لاشك ان نسق هذا  النموذج مؤسس على بنية التناقض- التماثل  مما يجعل السلطة  شكلا  سرديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا  وجنا يخترق كل الفضاءات.

 

-2/ الاسلوب  :

 للسرد سلطة  مركزية في النص ، لانه بالقدر الذي يكشف فيه عن أفعال الشخصيات والقوى الفاعلة  بقدر ما يكشف عن البياض والسلطة الغائبة  ، إذ يمكن التمييز بين بنيتين حدثيتين -الأولى تبرزها متتاليات الأحداث الملفوظة السطحية ، بسيطة في تركيبها وتخضع لترتيب زمني تعاقبي : حدث ما قبل الاجتماع (رنات الأذان ) والاجتماع ( تحريك المسير رأسه +تعاقب الرنات +التكلم بهمس+طرد الذبابة +المرور على التقريرين بالمصاقة عليهما وإعلان تشكيل المكتب) وما بعده (الخروج +إخراج السارد لهاتفه وسماعه لرنات الأغنية وترغيب المسرود له في الاستمتاع بها )..- أما البنية الحدثية الثانية فخفية ولولاها لما كنا أمام حكي، لأنها تجعل الحدث سببا في إنتاج حدث آخر أي جعل  العلاقة  منطقية، فالرنات سبب في اجتياز زمن الانتخاب، دون مناقشة التقريرين وبهدوء تام ، رنات الداخل هي فاعل مسبب لرنات السارد ،و بالتالي ترنم المسرود له الضمني اوالمفترض بها . ومن تقنيات السرد الموظفة، التلخيص، بإيجاز إيراد الأفعال  "يستمر لقاء تجديد مكتب الجمعية المهنية إلى الثالثة والنصف زوالا" وهو اقتصاد في اللغة والزمن والشخصيات انطلاقا من متطلبات القصة القصيرة ، وتقنية التوسع، بذكر تفصيلات يستدعيها المقام ، بما يمليه التركيز على العابر وتكبير الحركة الشاردة كحركة الذبابة مثلا او انحناءة الشخصية خلف كرسي وحديثها الخافت  ، كما تتيح آلية  الحذف، إغفال  أحداث أو شخصيات أو فضاءات . إما لكونها لا تضيف جديدا للقصة فتشوهها بالزوائد والشروح ،وإما لأنها تتعلق بممنوع سياسي  ،إذ لا احد سولت له نفسه أن يحتج على عدم مناقشة التقريرين أو على  رنات، لها رهبة وهيبة  السلطة،  مثل قول السارد : "تعلو معزوفة استقبال الملك لضيوفه" او "النشيد الوطني" فكان بالإمكان تتبع سلسلة قوى  الفساد السياسي-الاجتماعي المادية والرمزية..او لان المحذوف يتعلق بمحظور ديني "في الساعة العاشرة والنصف صباحا ....يعلو صوت الاذان من جوف الهاتف " حذف السارد العلاقة بين السلطتين لينأى عن المباشرة الفجة و الشرح التعليمي او خوفا من سوء العاقبة..دون أن نغفل الطابو الجنسي لان كبت السارد لرنات الغناء الأنثوية،  يشير الى مصادرة السلطة وخاصة الدينية ل"الصوت الجميل....ريما خشيش"و لكل ما له صلة بالفن والجمال ،ذلك أن  الهزل يفسد العبادة والطاعة. والطاعة مسوغ الاستبداد. وبما ان السلطة ماكرة فإنها قد تتسلل الى الفنون جميعها وتتسرب الى اللاشعور،فتمارس اغراءاتها الفاتنة  حين تعجز عن ترويض المختلف بالترهيب .

يكسر  السرد رتابة التلقي  بالوصف كوصف الاشياء "النوكيا300تاكتيل الموجود في جيب سروال الثوب المكوي بشكل جيد"الذي يقابل "النوكيا دو كارط made in  china  الموجود في جيب سروالي الدجين الازرق" انه تقابل بين نظام السلطة وضبطها للمظاهر وبين لباس يؤشر على التحرر والتشبب  او الحداثة او ازدواجية الدور ،وتوهم اللعب على حبلي السطة ونقيضها. التقابل  موجود - ايضا- بين وصف اللحية المشذبة بعناية الماء وبين وصف حركة السبابة في الانف .يساهم هذا التعارض في اضاءة نفسية الشخصية "يجيب بصوت خافت"و  "قنينة  عين سلطان من حجم لتر ونصف في جوفه" لإبراز نفسية المقهور والمضطهد. كما ان للوصف وظيفة اجتماعية " يتصاعد الرنين في القاعة الهادئة" ،لان فضاء القاعة يشير الى مؤسسة مدنية مهنية اجتماعية ولانه كذلك ، يتسع ليشمل مؤسسات تمثل في الظاهر  الدولة المدنية والسياسية  وفي الباطن مؤسسات إقطاعية ذات بنية طرقية :شيخ/مريدون  .إن السلطة حاضرة في الغياب ايضا ، لا ملامح جسدية  او سمات تميز كل شخصية  ، اللهم "اللحية " العلامة المسجلة المشتركة ، الشاهدة على إقصاء الفرد وتفرده وتميز ذاته  و استقلاله ، وفي نفس ألان استنساخ النموذج ، لذا يذوب الأفراد  في وجه واحد هو بالتحديد وجه السلطة  .  ومما يضاعف هذا الاستنتاج ، غياب مناقشة التقريرين  في الاجتماع  .أما  الحوار الموظف ،فهو لا حوار من الناحية الدلالية-التداولية لأنه لا يتأسس على اختلاف بل لتأكيد الطاعة .  المعارضة الممكنة الوحيدة في القصة تنهض بها الذبابة.

يستحضر السرد الزمان ،من حيث هو تعاقب الأحداث بالبطء أو التراخي، بحسب التوسيع أو الحذف أو التلخيص، لتسير الجلسة وفق ما تتطلبه الرنات ،كما نستشف زمنا سياسيا يشير إليه إكراه السلطة ،وزمنا نفسيا  يحياه السارد الذي انتقل من الإحساس بثقله واختناقه إلى الإنعتاق  والاستمتاع بخفة  الى الأغنية عند الخروج.وثمة زمن تاريخي تؤشر عليه هواتف نوكيا ،التي أضحت علامة حضارة رأسمالية  معلوماتية وإعلامية وثقافية، تم  تكييفها مع جمعية مدنية محكومة بنظام إقطاعي.ولعل ربط المكتوب  بالفيديو كليب هو انتقال في الزمن من الهوية المحلية أو الوطنية والقومية إلى عولمة كونية . كما تتوسل القصة المكان، كفضاء للعبور ، مثل  قاعة الاجتماع المخترقة بوسيط الهاتف ،أو توظيف الرابط الغنائي للتحرر من فضاء الجمعية – المكتوب -  إلى فضاء فن الفيديو- الصورة والصوت –

شيدت  جماليات القصة- اذن-  على التقابل والتكرار.كالتقابل بين السارد والجمعية ..او بين المكتوب والصورة أو بين الفن والأذان ..او بين السروال المكوي والدجين..مما ينتج حسا  دراميا ..

لونه  السارد  بلون من السخرية السوداء، مثل جمع المنتخب بين طهر الماء ونجاسة الأنف أو بين وقت العاشرة والنصف صباحا  والأذان ..أما التكرار له وظائف شتى منها التوكيد كتكرار الدال"رنات" أو تكرار الأغنية للازمة "اغني"  وله أيضا  وظيفة اشهارية ك "نوكيا"، وان كان السارد  يقع في شبكة عالم الاشهار ، دون ان يمتلك موقف نقديا  من وسيط الهاتف وعالم الاتصال الحديث حين يصير لعبة في يد الإقطاع . ووظيفة الإكراه والإلزام. و أهم مميزات أسلوب القصة تتجسد في  التغريب  و وإنتاج الغرابة والسخرية السوداء وتوظيف الكنايات والتقرير  الصحفي و خطاب المذكرات واليوميات ، وكل  ما تسمد منه  الثقافة  الشعبية وجودها الحي.

 

-3/ موضوعة "السلطة" :

بما ان السلطة قوة تجاذب بين القيم والشخصيات والاشياء فانها  تفترض العنف المادي او الرمزي ف(السلطة شرط الاجتماع البشريّ (و) العنف شرط

السلطة؛ إذن، العنف شرط الاجتماع البشريّ)-4- تكشف القصة نظام السلطة السياسية-الثقافية  باعتبارها علاقة تفاعلية بين الحاكم والمحكوم بحسب قيم ضابطة و سلوكات ومؤسسات ، منها الجمعية المهنية ،مجالا و موضوعا .  تفضح  القصة  جمعا انتخابيا لتجديد المكتب ، بتأطير من المسير دون احترام أدبيات المؤسسات الجمعوية  وحقوق المواطن وأهمها الحق في الترشح والاختيار بكل حرية  والمناقشة والمحاسبة لما فيه الصالح العام والخاص، فهي انتخابات صورية وشكلية تم تطويعها ، لترويض المواطن خدمة  لبرامج خارجية . ويمكن إضاءة مرجعي السلطة وهما :-ا- رنات  المرجعية السياسية – المخزن- الذي تشير إليه العبارات التالية  "تعلو معزوفة استقبال الملك لضيوفه"  وكذلك "  ."يرن هاتف آخر في الركن الأيمن للقاعة . ينطلق النشيد الوطني" .

 ب-  رنات المرجعية الدينية:تتمثل في الآذان" يعلو صوت الآذان من جوف الهاتف"  .

نستنتج ان الجمع مسير ومصير برنات ذات سلطة مدمجة سياسية ودينية تنهض على علاقة السيد بالمسود وجدلية العبد/السيد  حيث يغيب الحوار الذي هو أس الديمقراطية بالمعنى السياسي-الحقوقي أو الشورى في النسق الديني  بكل ألوان المذاهب الفقهية. كما نستخلص بالمقابل غياب  أي تمرد أو احتجاج أو اعتراض على اللعبة الانتخابية ، حتى السارد الذي كتم صوت هاتفه و  قمع صوته خرج كالشيطان من  مأدبة اللئام  . مما يبرز  الفكر الأحادي الأوحد  وقمع كل اختلاف، وتلك علامة  إقطاع ، يمارس فعله في النظام الرأسمالي الذي افرز مجال المجتمع المدني عموما و الجمعية المهنية حصرا  .  وتعتبر هاته المؤسسة نموذجا مصغرا  للدولة المغربية والعربية التي تحكمها سلطة  القطيع :الراعي الرعية ..هنا لا فضاء  للمواطنة المؤسسة على الديموقراطية والحق في الاختلاف والحوار والحرية الفردية والجماعية .كما تجدر الاشارة الى أن  زواج  السلطتين السياسية –الدينية يقوم على أساس حفظ المصالح النفعية  باستغلال الفرد والجماعة في نظام عالمي يزداد توحشا .  ويعتبر  الإشهار و الرقابة  من  آلياته الايديلوجية الأكثر فاعلية ،إذ تشير القصة الى إشهار  سلع مثل "نوكيا " "ماركة صينية" أو "ماء سلطان "  لإخفاء هدف تحقيق الربح الاقتصادي..الفرق يكمن في ان الهاتف يوظف في بلداننا المتخلفة بعقلية إقطاعية  ،  تعقل  اقتصاد الريع  للمحافظة على السلطة السياسية –الدينية  .أما في النظام الرأسمالي  المعولم يوظف لتيسير التواصل والتشويق والتسويق ، مما يتيح على الأقل فسحة للفردانية وهامشا للحوار (في النقابات والجمعيات الثقافية والسياسية والمؤسسات التعليمية والأسرية  ).إن العلاقة بين مسير الجلسة والحضور تماثل علاقة المريض بالطبيب..الأستاذ /التلميذ..الاب /الابن  الشيخ /المريد ..هي .مؤسسات تستثمر الرقابة  لإعادة ترسيخ نفس منظومة السلطة  لان (مركز الوجاهة والسلطة ومستوى السيطرة على المعلومات يقر ويقنن حق الكلام ومدته وزمنه واسلوبه ومجاله و سياقه ونوعية المتلقين وكذا القنوات والوسائل والوسائط الناقلة)-5-

ان السلطة ليست مجرد  (قدرة الأشخاص والمؤسسات على مراقبة سلوك الاخرين وحياتهم اليومية)-6- - بحسب  تعريف فلوور  Fowler – كما أنها لا تكون سلبية إلا بقدر ما تغذي في الانسان تمثلات واستيهامات السيطرة والتملك والاستعلاء والاقصاء باسم الحفاظ على الدين او هوية ما ..سياسية او اقتصادية او اجتماعية ..والقصة حين تكشف عن تفاعلاتها لا ترغب في ان تكون حكيا سياسيا تعليميا وعظيا ..بل تمارس سلطة المجاز وفتنة الحكي لمقاومة  الفضاء المغلق وعنف السلطة سواء بتأويل فرويدي يرى في السارد نموذجا جنسيا  أوديبيا أراد قتل الاب " الحاكم +الشيخ" والزواج بالام "المغنية" أو بتأويل اجتماعي يرى في القصة  تعارضا بين المؤسسة والفرد ..بين الدور الاجتماعي والشخصية ..بين قيم المحافظة والتمرد الخ .اقول قولي هذا واترك الكاتب يستمتع  في الأعالي – اقصد جبال تروال أيضا- برنته التالية: -(لا سلطة ولا نفوذ ،وقليل من المعرفة وشيء من الحكمة ، واكثر من الالتذاذ)-7-

.................................................................................

*    يمكنك قراءة  القصة  بالضغط على الرابط "العنوان " الأحمر : رنات  المحيل على موقع شهريار الثقافي الالكتروني.

  ** بامكانك الاستماع الى اغنية ريما خشيش بالضغط على الرابط "العنوان "الأحمر حين اغني

................................................................................

 

- هوامش :

   إشكاليتا القصة : -1/ تتعلق بتوصيف النص والاصطلاح عليه ..وقد كتب في ذات السياق د.سعيد يقطين ودة.زهور كرام و دة.سعاد مسكين وغيرهم ..وهنا نحن أمام قصة قصيرة برابط واحد منفتح على اغنية في موقع يوتوب ..سأسميها مؤقتا  "قصة رابطة"  .

-  2/ ترتبط بالربيع العربي وما افرزه من عودة النظام السياسي  الى النسق الثقافي والسياسي والاجتماعي المحافظ إلى الحكم..وإحالة  رنات الديمقراطية إلى علبة صوتية مقفلة قد تشغل لاحقا.

 

- إحالات :

- الجمل بلون ازرق والموضوعة بين فاصلتين ، ماخوذة من قصة رنات

-1/ سلطة الكلام وقوة الكلمات /ابو بكر العزاوي . المناهل ع62-63 ماي 2001

-2/  قوة الرقابة ومقاومة الإبداع-ع.بنعبد العالي – مجلة الاوان التفاعلية-2008"

-3/ منتــدى الســالميــه: . ريــــمــــا خـــشيـــش  forum.salmiya.net/cgi-bin/ultimatebb.cgi?.. .

-4/ في العنف والسلطة -شادي العمر - (أكتوبر) 2008 /مجلة الاوان الالكترونية

 -5+6/  الطبيب والمريض وخطاب السلطة اللامتكافئ –زهرة ماحي ترجمة الحبيب بنرحال .المناهل – ع 62-63 ماي 2001

-7/درس السيميولوجيا .رولان بارت .ترجمة ع.بنعبد العالي –دار توبقال – ط1-1986- ص9 .الدار البيضاء-المغرب .